كيف تحوّل الفتاوى التكفيرية أسواق دمشق إلى ثكنات عقائدية؟

في ظل التضييق الحاصل على الحريات العامة في سوريا أبلغت محافظة دمشق عدداً من محلات الصاغة عبر بلاغات وتوجيهات شفهية مباشرة، ودون صدور أي قرار رسمي مكتوب، بضرورة حظر عرض أو بيع أي حلي ذهبية مخصصة للرجال، ملزمةً إياهم بالاقتصار على المصاغ النسائي فقط في واجهات محالهم التجارية.
هذا الإجراء الشفهي القائم على الترهيب، والذي دفع بالعديد من الصاغة إلى سحب الخواتم والسلاسل الرجالية فوراً وإرسالها إلى المصاهر خشية الملاحقة العقابية والمداهمات، أحدث إرباكاً وشللاً واسعاً في سوق الذهب الدمشقي الذي يعتمد منذ عقود على خواتم الزواج والزينة الرجالية كجزء أساسي من دورته الاقتصادية، وسط صدمة أصحاب المحال من تحويل السلع التجارية إلى “مخالفات شرعية” تُصادر وتُمنع بمجرد أوامر شفهية اعتباطية.
وجاء هذا التبليغ الشفهي استناداً إلى فتاوى دينية تحرّم الذهب على ذكور الأمة، في خطوة تكشف بوضوح عن الكيفية الفوضوية والقمعية التي تُدار بها العاصمة السورية اليوم؛ حيث تحولت مؤسسات الدولة والبلديات إلى أدوات تنفذ رغبات قادة الفكر المتطرف عبر إملاءات شفهية تفتقر لأدنى المعايير القانونية والإدارية، لفرض وصاية دينية متشددة على خيارات المواطنين الشخصية وهندسة تفاصيل مظهرهم العام. تعكس هذه الخطوة عمق النهج السلفي التكفيري الذي تنتهجه سلطة الجولاني في تحكمها بسوريا، والتي لم تعد تكتفي بالهيمنة العسكرية والسياسية، بل تسعى لفرض نموذجها الأيديولوجي المتشدد بالإكراه وعبر أدوات الترهيب المباشر على حساب أرزاق الناس وحرياتهم الأساسية.
وتشير الوقائع على الأرض إلى أن هذه الممارسات التعسفية تخرج مباشرة من مكاتب قادة العصابات والمشايخ السلفيين الذين يمسكون بزمام ومفاصل القرار في كافة أنحاء البلاد، والذين يتعمدون استخدام البلاغات الشفهية لتمرير أجنداتهم المتطرفة دون ترك وثائق رسمية تدين انتهاكاتهم. هؤلاء القادة والعناصر، الذين يشكلون العصب الحيوي لكافة الأجهزة والمؤسسات الأمنية والخدمية الحالية، ينحدر غالبيّتهم من خلفيات جهادية تكفيرية، وكان قطاع واسع منهم جزءاً تنظيماً وعقائدياً من تنظيم “داعش” الإرهابي، لينقلوا اليوم عقلية “ديوان الحسبة” ودولة الخلافة المزعومة إلى قلب العاصمة السورية. إن تحويل واجهات المحلات لمرآة تعكس فكر السلطة المتطرف بدلاً من خيارات المجتمع الحرة، يؤكد أن سوريا باتت محكومة بعقلية دينية متشددة تسحق الهوية المدنية السورية، وتستبدل القوانين المدنية بتعليمات شفهية يصيغها “أمراء الحرب” الذين يرون في المجتمع ساحة جديدة للاستلاب والفرض العقائدي.



